اسماعيل بن محمد القونوي
403
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
بكونهم أمواتا ولا حاجة إلى أن يقال إنه نفي لكن قوله : بَلْ أَحْياءٌ [ آل عمران : 169 ] ليس من جملة المظنون بل ابتداء كلام من اللّه تعالى تقريرا لما قبله . قوله : ( أي بل هم أحياء وقرىء بالنصب على معنى بل أحسبهم أحياء ) هذا تام على تقدير كون الذين مفعولا أولا إذ الأمر بالظن بعد النهي عن ظن الأموات لا مانع منه وأما على تقدير كون الذين فاعلا فلا يحسن كون الأمر بالحسبان للشهداء لأنهم تيقنوا حياتهم كما مر ولو قدر بل اعتقدهم أحياء لكان أسلم من المناقشة . قوله : ( ذوو زلفى منه ) يعني المراد من العندية المكانة لا المكاتبة ولا بمعنى في علمه وحكمه لعدم ملائمة المقام ولفظه ذوو رسمه بدون ألف أولى من رسمه بالألف لأن الألف إنما تزاد بعد واو ضمير الجمع الاسمية نحو قالوا وهذه ليست بضمير ورسمه بالألف إنما هو تشبيها بواو الضمير ( من الجنة وهو تأكيد لكونهم أحياء ) . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 170 ] فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 170 ) قوله : ( وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية والقرب من اللّه والتمتع بنعيم الجنة ) وهو شرف الشهادة قدمه لأنه سبب لسائر الإحسانات والفوز بالحياة الأبدية مستفاد من قوله : على بل أحسبهم أحياء طعن فيه أبو علي الفارسي فقال لا يجوز ذلك لأنه أمر بالشك والأمر بالشك لا يجوز على اللّه تعالى وأجيب عنه بأن الحسبان ظن وأمر اللّه بالظن جائز أليس أن تكليفه في جميع المجتهدات بالظن . قوله : ذوو زلفى منه وفي الكشاف مقربون عنده ذوو زلفى يعني لفظ عند ههنا مستعار للقرب الرتبي لا المكاني لتنزه ذاته تعالى عن الأمكنة والأزمنة وكذا هو في جميع صور إضافته إلى اللّه تعالى مجاز عن معنى بحسب اقتضاء المقام الجليل يثبت الألف عند ضمير الجماعة بعد ذوو فرقا بينه وبين سائر الواوات وغيره لا يثبتها جريا على القياس فإن الخط تابع للفظ وليس في اللفظ ألف قيل فيه نظر فإنه ليس في سائر الجموع في اللفظ ألف ويكتب . قوله : وهو شرف الشهادة والفوز بالحياة الأبدية قال الإمام اعلم أن المتكلمين قالوا الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالتعظيم فقوله : يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] إشارة إلى المنفعة وقوله : فَرِحِينَ [ آل عمران : 170 ] إشارة إلى الفرح الحاصل بسبب ذلك التعظيم وأما الحكماء فإنهم قالوا إذا أشرقت جواهر الأرواح القدسية بالأنوار الإلهية كانت مبتهجة من وجهين أحدهما بكون ذواتها مستنيرة مشرقة متلألئة بتلك الجلايا القدسية والمعارف الإلهية والثاني بكونها ناظرة إلى ينبوع النور ومصدر الرحمة والجلالة وقالوا وابتهاجها بهذا القسم الثاني أتم من ابتهاجها بالأول فقوله : يُرْزَقُونَ [ آل عمران : 169 ] إشارة إلى الدرجة الأولى وقوله : فَرِحِينَ [ آل عمران : 170 ] إشارة إلى الدرجة الثانية ولهذا قيل : فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ آل عمران : 170 ] يعني فرحهم ليس بالرزق بل بإيتاء الرزق لأن المشغول بالرزق مشغول بنفسه والناظر إلى إيتاء الرزق مشغول بالرازق ومن طلب الحق لغيره فهو محجوب .